Thursday, May 3, 2012

مقدمة كتاب مسافر في قطار الدعوة - محمد أحمد الراشد



من مقدمة كتاب "مسافر في قطار الدعوة" بتصرّف بسيط. الكتاب للداعية المربي عادل الشّويّخ، والمقدمة كتبها أستاذه الداعية المربي محمد أحمد الراشد ينعيه فيها ويتذكره، ما أقساها وما أجملها، رحم الله عادل الشويخ، ورحمنا الله جميعا!

قرأت للأستاذ كامل الشريف، لما أرخ البطولات الإسلامية في مقاومة الإحتلال البريطاني لقناة السويس، أنه كان يعرف بالفراسة علامة الفدائي الذي تنتظره الشهادة قريبا، فيميزه من خلال استبشار يطغي على محياه، و عبر حركة دائبة و نشاط غير عادي يسبق استشهاده.

و هكذا نهاية أخي العزيز الحبيب، و عضدي، و سندي، و صاحبي في دربي، و قريني و تلميذي الدكتور عادل عبدالله الليلي الشويخ البصري رحمه الله رحمة واسعة، و جزاه خيرا، و رفع مقامه في جنان الخلد مع علماء الأمة و الشهداء الصالحين.

كان في ذروة حركته طيلة الموسم الذي سبق رحيله، فقدم له في ماليزيا، و أخرى في مورتاينا، و طاف بأمريكا، و عرج على أوكرانيا ينشر فقه الدعوة، و يلقي الدروس، و يحاور المربين و رواد العمل الإسلامي، حتى حمله شوقه على أن يقصد كردستان العراق مبشرا بالأخوة الإيمانية التي تجمع القوميات، و مشجعا للتيار الإسلامي الكردي الصاعد المتنامي، حتى إذا بلغ ذروة البشارة و النذارة و حلقت أرواح من معه عاليا: نزل فجأة إلى قبر هادئ على سفح تل مهيب في ظاهر مدينة السليمانية بعد حادث سيارة، أكرم الله مثواه.

لكني لم أميز اقتراب موته كما ميز الشريف موت أصحابه، و لم ألتفت إلى تلك العلامات الخيرية الكثيرة التي سبقت إنتقاله إلى جوار الله تعالى، فهزني الحادث و أذهلني، و نفضتني صدمة عنيفة لم أرزح تحت تأثيرها، لا أدري ما أقول، و لا ما أفعل، و غير مهتد لطريق تعويض مكانة أبي عبدالله التربوية، و كل الذي أملكه من تسلية: ثقة بالله تعالى، و أمل بأن يقيم منا سيدا كلما مات سيد.

و إن كان لي فخر، ففخري أن أبا عبدالله كان أكبر تلامذتي، و أمين سري، و النجى الذي أبثه همومي، و المستشار الذي طالما حاورته ففتح لي من نوافذ التفاؤل ما شاء الله ، و أغلق أخرى تطل على أودية التشاؤم، و أنا أسن منه بثمان سنوات، و ترقى علاقتي به إلى ثلاثين سنة، يوم جاء إلى بغداد من البصرة طالبا جامعيا، فكان أوعى من يستوعب دروسي في تأصيل فقه الدعوة، و اكتشفت فيه قرينا مكافئا لا تلميذا، و منذ ذلك اليوم لبث معي على يميني كأرسخ ما يكون الثقة نطور معا مدرسة جديدة و طريقة في إيضاح فقه الدعوة من خلال جرد كتب الفقهاء الأولين و استخراج ما تناثر من أقوالهم مما فيه كشف لمعنى تربوي أو سياسي أو تنظيمي أو تخطيطي، و خلط ذلك بأقوال المعاصرين من الدعاة و المفكرين، و بشواهد تاريخية و بأشعار الحكماء، مع مجازات رمزية و لغة إيمانية، و استدلالات من العلوم التطبيقية، و الخروج من كل ذلك بمزيج متجانس من الكلام الشارح لما ينبغي أن تكون عليه المواقف الدعوية، و قد تلقى الدعاة - بحمد الله- هذه الطريقة بقبول حسن... فكان (أستاذا ونصفا) كما يقال، فقد فاقني وذهب إلى أبعد مني ...


و قد استبد به الزهد في الكلام و إلقاء الدروس قبل سنوات، و اشتكى من سلبية بعض السامعين وعدم مجاراتهم له من خلال الأسئلة الواعية التي تحرك المدرس عادة لمزيد من العطاء، حتى ذكر لي أنه ينوي التوقف عن الكتابة و الكلام احتجاجا، فوجد عندي من هذا المعنى ما هو أكثر، و استولى علينا التبرم، و تعاهدنا على السكوت،

فساق الله إلينا شابا يخرجنا من الخطأ، إذ كنت أجلس مع عادل في مطار استانبول ننتظر الطائرة قافلين من دورة لم نصادف فيها من أسئلة الدعاة ما يشجع، و إذ نحن نتبارى في التلفظ بمرادفات اليأس، إذ بشاب يقبل علينا ثانيا ركبتيه، يسأل:

قال لي: أأنت محمد أحمد الراشد؟
قلت: نعم، هل التقينا سابقا؟
قال: لا، عرفتك من خلال رؤية فيديو كلمتك في مؤتمر هيوستن بأمريكا.
قلت: و من تكون؟
قال: اسمى خالد الموساوى، و أنا جزائري من أهل واحة وادي سوف على بعد ألف كيلو متر عن العاصمة جنوبا على مشارف الصحراء الأفريقية الكبرى قرب أقصى الحدود التونسية، و نحن هناك نقرأ لك و نسمع أشرطتك، و نرى بعض دروسك من خلال الفيديو، و أنا ذاهب إلى الجهاد في أفغانستان.
فرحبنا به، و أبدى سرورة لهذا اللقاء على غير موعد، و سألني عن أمور، و سألته، ثم تنهد مستدركاً.
قال: لكن مازال نصف حلمي لم يتحقق، لم أتعرف بعد إلى عادل.
قلت: فكيف بك إذا أنزلتك معي إلى دبي لأعرفك به.
قال: إذا يكون يوم عيدي، فنحن نسمع دروسه و لم نر صورته عبر الفيديو.

و هنا تدخل عادل رحمه الله، فسأله عما سمعه من أشرطة دروسه دون أن يعرفه بنفسه، فعدد له عناوين دروس عديدة.
فسأله عادل ممتحنا: الدرس الفلاني ماذا يقول فيه؟
قال: كذا، و كذا، و أتى بمختصر معانيه على وجهها.
ثم امتحنه مرارا، يسأله عن دروس أخرى، و الفتى يأتي بالمعاني على وجهها بإتقان أدهشنا.
فقلت له بعد أن ازددت فراسة في صدق توجهه: إذن هذا هو عادل أمامك، هو الذي يمتحنك.
فطار الفتى من الفرح و أذهلته المفاجأة.
قال: كلنا في وادي سوف على هذه الشاكلة، نقرأ و نحفظ و نعيد السماع.
ثم أخرج كتاب الموافقات للشاطبي من خرجه، و قال لعادل: سمعتك في شريط تثني على الكتاب و توجب على الدعاة أن يطالعوه، فاقتنيته ليكون صاحبي في الجهاد.


هذه الحادثة هزت عادلاً و جعلته يوقن بوجود مبلغين أوعى من سامعين، و مال إلى التوبة من اليأس و من الزهد من الكلام، و طفق يقول بعدها: نتكلم لأهل الواحات و الغابات إن خذلنا أهل الحواضر. فكان من ثم إكثاره في السنوات الأخيرة رحمه الله.

لقد كنت و إياه كأننا فريق عمل مشترك، ننضج أفكارنا معا، نرحل معا، و نتكلم معا، و نكتب معا، لذلك شعرت أن نصفي قد مات لما بلغني نعيه، و ما أظن أن أحداً من أصحابه حزن لموته كحزني، و قد تركني أمام تكاليف الحياة لوحدي، أسأمها، و هي الثقيلة علي، و كان المشير علي بعقل و حكمة إذا حزبني أمر ووجدت الأبواب مغلقة.

و قد رثاه الشعراء و أطنب الدعاة في ذكر مناقبة، و كان يريد أن يرثيني ، فها أنا ذا أرثيه، و سبحان الحي الباقي، و قد قال لي يوم سفره: بيننا و بينهم الجنائز، يسليني و يسلي نفسه إزاء لغط وقع فيه بعض أهل الأوهام، و صدق الله ظنه، إذ لم تشهد كردستان جنازة مثل جنازته، و زاد عدد الذين شيعوه على عشرين ألفا، في موكب وقور و تظاهرة إيمانية مميزة، وارتفع النحيب، يبكونه و ما صاحبوه غير يومين، و كثر الذين وصوا أن يدفنوا إذا ماتوا قرب قبره، تحصيلا لشرف الجوار، رحم الله الأحياء و الأموات.

إن قبره في مقبرة الشيخ أحمد الهندي على الطريق الخارج من السليمانية إلى كركوك لهو الوتد العربي الدعوي ظهراني الأكراد، وثَم دليلنا على عمق الأخوة الإيمانية بين الجموع الإسلامية إذا أراد الجمع السعي لعمرانها.

لقد سلك عادل في جادة الدعوة، فـأحسن السلوك، و اكتال من الوفاء ما شاء أن يكتال، و حرص على العلم و التعليم، و مضى مليء اليدين، و طبعت أقدامه أعمق الآثار.

فهل من سالك بعده فيه العوض، يواصل و يتصدى للأجر؟
لقد مر الهمام.. فمن ذا الذي يرشحه القدر لخلافته؟



اللهم يا أرحم الراحمين: أنزل شآبيب رحمتك على عادل و الرهط الذي صدقك من الدعاة و المعلمين و أساتذة التربية الإيمانية و الشهداء و الصالحين، و اغفر لهم، و ارفع مكانهم عندك، و أدخلهم الجنان العاليه، فلقد أتقنوا العمل، فأجزل لهم الثواب، إنك أنت العفو الودود الوهاب.

آمين، وفي كل دعاة الإسلام بركة إذا عزموا عزمات الخير.

Tuesday, December 14, 2010

اللباد يكتب : الخط .. الحرف .. المقدس

قبل أسابيع تركنا مجيي الدين اللباد الفنان و الكاتب الذي نجح على مدى تاريخه القني الطويل أن يجسد ( الهوية ) تراثاً شعبيا عربيا ، " صانع الكتب " كما أطلق عليه حلمي التوني ، و صاحب سلسلة " نظر " غير المسبوقة في الفن التشكيلي العربي . و نحن هذا نذكره بأن ننشر له مقالاً كان قد اختص به " وجهات نظر "

تنويه : تم نشر هذا المقال في كتاب ( نظر 4 ) و لكن مع وجود اختلافات سواء بالزيادة أو النقصان .


لم يكن ما أشيع عن تحريم الإسلام لتصوير الإنسان و الكائنات الحية ، السبب في تبوؤ الخط العربي ماكنته الرفيعة في حياتنا ، و بالتالي انفراد الخط و الزخرفة بميدان الفن البصري كله ، بل أخذ الخط مكانته لأنه كان جزءاً من حضارة و نهضة ثقافية و روحية و فلسفية و فنية رفيعة شملت بلاد الإسلام . كانت تلك النهضة تعبيراً عن الخطوات الواسعة الجريئة التي خطتها البشرية خارج الظلمات و الجهل و العنف و المظالم التي سقطت فيها بلاد العرب و ما حولها لقرون طوال قبل الإسلام .

اكتسب الخط العربي مكانته الرفيعة أيضا لأنه الحامل لكلمات القرآن ، الكتاب الذي قدسه المسلمون على طول ألفية و نصف في مختلف أرجاء الكوكب . و لكن تلك المكانة الرفيعة التي أعلت من شأن الخط العربيو الزخرفة المصاحبة ، و أحاطته بمحيطمن العناية و الوقت و المال و المنزلة الثقافية و الاجتماعية بقصد حمايته و الحفاظ عليه، كانت سبباً في تجميد هذا الفن و في إيقاف تطوره .

في القرون الخمسة الأخيرة ، فهم البعض أن ( حفظ ) القرآن المعني في آية " إنان نحن نزلنا الذكر و إنا له لحافظون " على أنه - يعني أيضاً - تثبيت طق كتابة نصوصه. و قد ساهم الأتراك العثمانيون في هذا التجميد ، عندما روجوا - في القرن الـ 17 م - لأسلوب كتابة القرآن بالخط النسخي الحديث الذي اشتهر به الخطاط التركي البارع الحافظ عثمان أفندي ( اسطنبول ، 1624 - 1698 م ) الذي كان من أشهر خطاطي المصاحف ( العثمانية ) بالخط النسخي ، التي كتب منها 25 مصحفاً ، طبعت الدولة العثمانية عددا منها انتشر في البلاد الإسلامية .

قبل العثمانيين ، ازدهرت جنات من التنوع الخلاق المبهج في أساليب الخط العربي التي كتبت مصاحف القرآن الكريم ، و طبعت الثقافات المحلية في أركان العالم الإسلامي المختلفة تلك الأساليب بأرواحها المتباينة و المنوعة ، و أغنتها . و كان ذلك بدءاً من الخط الكوفي القديم ( المسمى بكوفي الماصاحف ) ، مروراً بالثلث و النسخي و النستعليق ( الفارسي ) وصولاً إلى الخط العربي المغربي / الأندلسي الذي تحرر من كل القواعد الحرفية ، و أصبح فنا تعبيريا شخصيا و حراً .

إلا أن تقديس الخط العربي لارتباطه بآيات القرآن الكريم الذي يجتهد المسلمون كثيراً لحمياته من أي تحريف أو تبديل ، بلغ درجة جمدت الخط العربي ، و جمدت إبداع الخطاط و التفكيره ، و منعته من الاجتهاد و المراجعة و التجاوز و التحرر و الإبداع و الابتكار .

و شهد فن الخط العربي بعض تقاليد صاحبت فترات ( ازدهاره ) في الدولة العثمانية ، و كان من تلك التقاليد احتفاظ الخطاطين الأساتذة ببرية أقلامهم في علب ذهبية أو فضية جماية لها من دوس الأقدام أو النجاسة ، بعد أن كتبت بها آيات القرآن و لفظ الجلالة . و لنتخيّل ما أدت إيه مظاهر التقديس تلك من تجميد و تحنيط لفن الخط العربي

أدى ذلك التقديس و التجميد و التحنيط إلى تثبيت تصور عند البشر يعارض تحرير الكتابة العربية من إسار التقليد و التكرار ، إذ ساد شعور خفي كما لو أن الخط العربي نزل من السماء ، و كما لو كانت أصول كتاباته قد هبطت إلينا عن طريق ( الوحي ) . و بسبب تلك المواقف نفسها ، عارض سلاطين آل عثمان دخول آلة الطباعة دولتهم ، حتى لا يطبع القرآن بآلة لا روح لها و لا عقل ، و لا عقيدة !


لذلك ، شعر بعض من طالع كتابات الخطاط الشجاع المجتهد مسعد خضير البورسعيدي بشيء من الصدمة أمام ما فعله هذا الخطاط في بعض تجاربه ، حين كتب لوحة بخط النستعليق : " إن الله بالغ أمره " . كان خضير يقصد إرسال تلك الصدمة الرمزية : فلم يجعل حرف ( ـغ ) بدورانه المعروف ( المقدس ) ، بل وضع له بدلاً من الدوران حوض ( ف ) و عاد فوضع دوران الـ ( ـغ ) للهاء الأخيرة .

ما فعله خضير هو مجرد طرح للفكرة و المبدأ : هل نعتبر أساليب الخط العربي أزلية لا يمكن التعديل فيها للحصول على الأصلح و الأنفع و الأكثر ملاءمة أو لا ؟ و الحكم على ما فعله بالإعجاب و التشجيع هو إعجاب بالفكرة و تشجيع لمبدأ المراجعة و الاجتهاد في الخط .

كم هي مبهجة تلك التجربة البسيطة الشجاعة ، التي تتحدى الثبات و الجمود و التحنيط الذي يستقر في روعنا و كأنه تقديس . إنها شجاعة ( لم لا ؟ ) التي يجب أن نستفز بها الجمود . إن الخط العربي هو ابن الإنسانو من إبداع البشر و ليس منزّلاً و لا وحياً ، و الإنسان هو صاحب الحق في مراجعة إبداعه و تطويره و تبديله حسب الحاجة و حسب تبدل الأحوال ، و حسب الوظائف الجديدة للخط و الكتابة .

و مقل هذه التعديلات و التغييرات كانت قد حدثت في الخط العربي بالفعل منذ قرون طويلة و على طول هذه القرون ، حين تطور من الكوفي البدائي إلى السخ و الثلث ، و بعده النستعليق و الرقعة و الديواني ، التي تم فيها تغيير الكثير من ثوابت الأساليب السابقة ، بل و تغير منطق كتابة الخط نفسه ، و لكننا لكتفينا بما استقرت عليه الكتابة سابقاً ، و لم نبدع جديداً بعدها .

التعصب ( الذي شاركنا فيه جميعاً ) و الصراخ بشعار " حماية الخط العربي من العبث و التحوير ) لم يعد موقفاً ناضجاً مسؤولاً ، و جيب علينا جميعاً مراجعته . نعم علينا أن نقيّم و ننقد نتائج محاولات تطوير الخط العربي و نمسح بالرديء منها الأرض . لكن ليس لنا أن نجرّم المحاولة أو نحظرها على أحد . ليس هناك شيء يستمر بدون تبديل و تطوير لمواكبة المتغيرات المتلاحقة في حياتنا

الخط و حرف الطباعة


هناك ضرورة للتفريق القاطع بين كلمتي ( الخطوط - Calligraphy ) و ( تصميم حروف الطباعة - Font ) . و الخطأ في الخط و الالتباس بين التعبيرين خطير . إذ أنه ليس مجرد خطأ في التعبير اللغوي ، بل هو – إذا ما وقع – ستدرج إلى أخطاء عملية ذات تأثير جسيم على المفاهيم و التخطيط و التوجهات في مسارات البحث و الابتكار و التصميم و الاستثمار في مجال حروف الطباعة بأنواعها .
الخط ( Calligraphy ) هو فن شخصي و حرفة فردية يعتمد أداؤها على اليد البشرية ، و على التكوين الشخصي ، و على الذوق ، و على حال الخطاط لحظة خطه لقطعة من العمل بعينها ، لن يتكرر إنتاجها مرة أخرى . و يعتمد الأداء و الأسلوب في الخط على : البحث عن الحل الأمثل لحالة معينة محددة – الارتجال ( بما يشته تقاسيم الموسيقى الارتجالية على مقام معلوم ) – الاستدراك - الفذلكة – الطابع الشخصي التقديري . و يحكم على نتيجة عمل الخطاط على أساس كونها وحدة عمل واحدة متشابكة ، و على أساس تكاملها مع نفسها .

أما الحرف المصمم للطباعة ( Font ) فهو نظام ( System ) وظيفي نمطي ، معدّ للاستعمال العام بواسطة مستخدمين لا تشترط فيهم كفاءات خاصة ، و لا تتوفر لهم – عند استخدامه – فرص للارتجال ، أو الاستدراك ، أو الفذلكة ، أو التجويد ، أو إضفاء الطابع الشخصي و التقديري . و يأخذ قيمت من درجة التواصل ( Communication ) التي تنتج عن الاصطلاح العام على استعماله الواسع .

و قد تغيرت فنون كثيرة بانتقالها إلى وسيط ( Medium )جديد ، أو بتغيرات في تقنيات الوسيط ، و غالبا ما انفرزت منها فنون جديدة مستقلة بذاتها : ذات سيادة ، و غير ملحقة بالأصل . و من هذه الفنون : فن حرف الطباعة ، الذي انفصل عن فن الخط ، مثلما انفصل فن السينما عن فن المسرح ، ثم فن التليفزيون عن فن السينما ، و أصبح لكل فن منهما قوانينه و شروطه الخاصة .

و قد انفك الإسار عن فن حرف الطباعة اللاتيني عندما حرر نفسه من محاولة محاكاة فن الخط اليدوي ، و حين كف عن المراوغة و التحايل على حدود ( Limitations ) الوسيط الجديد التي ( تعجزه ) عن الوصول إلى ( كمال ) الخط اليدوي . تحرر حرف الطباعة حين جعل من تلك الحدود خصوصيات و صفات و قسمات أساسية تميزه ، بل لقد ركز على إبرازها ، و جعل منها فيمه الجمالية الخاصة ، كف الحرف عن اعتبار نفسه من مرتبة أدنى من الخط اليدوي ، فانطلق إلى الأمام و إلى الأعلى .

المسافة شاسعة بين الحرف اللاتيني القوطي ( Gothic ) الذي بدأ به جوتنبرج عام 1450 و بين ما نعرفه الآن من حروف لاتينية . و علميات الابتكار و التطوير فيها لا تزال مستمرة . و يستفيد تصميم الحرف اللاتيني و يتأثر بكل أشكال النمو و التطور في : الصناعة و العلوم ( تطبيقية و إنسانية ) و النظريات الفلسفية و المدارس الفنية ، و بالمتغيرات السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية . و يتطور تصميم حرف الطباعة اللاتيني أيذا بالبحث الؤوب في تراث الخط اليدوي و تراث الفنون البصرية ، سواء في الحضارة الغربية أو في الحضارات الأخرى غير اللاتينية . بينما نتجمد نحن و نجمد معنا حروفنا الطباعية ، و لا نزال متوقفين بها عند مرحلة تعادل مرحلة حرف الطباعة القوطي الذي بدأ به جوتنبرج طريقه في القرن 15 مـ ، و لم نترحك بحروفنا إلى الأمام إلا قليلاً !

عرفنا حروف الطباعة العربية ، على نطاق واسع مع حملة نابليون ( 1798 مـ ) و كانت الحروف التي جلبها معه مسبوكة في جنوة و البندقية ( حيث كانت إيطاليا سباقة في صناعتها – منذ القرن الـ 16 – لطباعة ترجمات عربية للكتاب المقدس ) .

لم يختلف الحال كثيراً طوال القرنين اللذين يفصلاننا عن حملة نابليون و مطبعته ، فحتى سنوات قريبة كانت التجارب المحلية قليلة ، و الإسهام المحلي في صياغة الحروف كان قيلاً . أما الاختيار و قرار الإنتاج فكانا – غالباً – اختيار و قرار شركات غبر عربية ، لا تملك المعرفة الكاملة بنا و باحتياجاتنا ، و لا تملك الدراية الثقافية باريخنا و تراثنا في الميدان ، ة لا تعرف أولويات ضروراتنا ، و لا تعني بإنجاز ما يبني لنا تراكماً صحيحاً يؤسس لتنمية ثقافية في بلادنا .

و في النصف الأول من القرن العشرينجرت محاولات عربية جادة قليلة لتطوير حرف الطباعة العربي ، و توصلت دار المعارف المصرية في 1948 مع شركة ( مونوتايب ) البريطانية ، إلى حرف طباعة كامل رفيع المستوى للكتب كان معتمداً على خط النسخ . كتب هذا الخط خطاطون مصريون و أشرف عليه خبير الطباعة يوسف قاروط كما توصلت الشركة الأأخرى ( لينوتايب ) لحرف طباعة مختصر مقبول للصحف و الدوريات ، كان الحرفان المصنعان لغرض صف المتون ، مثلما كانت كل الأبحاث الجادة في مجال حرف الطباعة تدور حول حروف المتن . و ظل الاعتماد – في عناوين الصحف و الدوريات و أغلفة الكتب و الإعلانات المطبوعة و غيرها – على الخطاط اليدوي ، باستثناء تجارب قليلة لا يتجاوز عددها عدد أصابع الكفين : في الستينات أنجزت جريدة الأهرام حرفاً حصريا خاصا لعناوينها ( الخطاط عدلي بولس + المصمم المعماري ثم الجرافيكي توفيق بحري ) و في منتصف السبعينات لجأت بعض الصحف الللبنانية ( دار الصيّاد ) إلى طباعة حروف عناوين منفصلة على ورق مصقول ، و كانت العناوين تجمّع منها يدويا بقصها و لصقها متجاورة على ورق ، ثم تصوريها .

و بعد الفطرة في أسعار النفط في منتصف السبعينات ، اهتمت شركة ( ليترايست ) و بعض الشركات الإيطالية الأصغر بالسوق العربية و سوق إيران ، و أنتحت لهما – على عجل – قائمة من حروف العناوين العربية المطبوعة على أسطح شفافة لاصقة ، و قابلة لأن تنقل على الورق . تم الإنتاج في هرولة ، و كانت النتائج – في أغلبها – مشوهة و متدنية المستوى ( يصل بعضها إلى درجة الفكاهة المحزنة ) . و لم يكن منجزو هذه الخطوط خطاطين أكفاء ، و لا مصممين جرافيكيين مبدعين ، بل كانوا من قناصة فرص السوق . لكن هذا الإنتاج سرى في بلادنا المندهشة سريان النار في الهشيم ، و لا يزال الكثير من أحرفه يتسيد السوق ، و يتصدر الصفحات الأولى لصحف عربية كبرى يشترك عدد كبير منها في استخدام نفس الحرف ( المريض ) الذي يجعل تشابهها العام في الشكل و المذاق متقارباً إلى حد كبير .

و دخلت ( ميكانورما / نظيرة الليتراست في فرنسا ) السباق على السوق العربية ، فأنتجت – في هرولة هي الأخرى و عبر فريق صغير من المصممين حديثي العمر و الخبرة – قائمة قليلة العدد من الحروف العربية لم يختلف مستواها عن سابقتها البريطانية ، و لم تلق رواجاً في السوق العربية .

و عندما ازدادت إمكانات الصف الضوئي Photocomposing و اتسعت سوقه في بلادنا ، و كان ضرورياً أن تضيف الشركات إلى حروف آلاتها حروفاً للعناوين ، لم يكن أمام شركة ( لينوتايب ) سوى حروف ( ليتراسيت ) المشوهة إياها ، لتجعلها حروف للعناوين الرئيسية في آلاتها ، و أضافت إليها حروفاً قليلة جديدة ( مشوهة بدورها ) أبدعها نفس الفريق الذي ارتكب الجريمة الأولى . و قد تفكك ذلك الفريق فيما بعد و انقسم إلى شركات متعددة تختص في إنتاج حروف الطباعة و ملحقاتها ، و لا زالت حروفهم هي الرائجة في السرق العربية ، و في قوائم الشركات العالمية الكبرى ، رغم سذاجتهاو ضعفها الباديين .

و مع تسارع ظهور التقنيات و الأدوات المساعدة التي تيسر ( حتى للأفراد ) إنتاج حروف الطباعة للحاسب زاد الهرج و اشتد زحام الميدان و اختلط الحابل بالنابل و ازدحم المولد و زادت هيصته .

و ظل همنا الأكبر - في أغلبه – محاولة لإعادة إنتاح أساليب الخط اليدوي المعقدة في شكل حروف للطباعة : بالأحرف المعدنية البارزة ، أو بالصف الضوئي ، أو على الكمبيوتر . و كم بذلنا من جهود كبيرة من أجل هذه المحاكاة المستحيلة ، و التي يعدّ البعض الاقتراب من النجاح فيها انتصاراً .

لن يمكن بلوغ النجاح ، و لوى رقاب أساليب الخط العربي ، و إدخالها في نسق الكمبيوتر . فالتراكب بين الحروف العربية ، و وجود أكثر من شكل للحرف العربي حسب موقعه و علاقته بالحروف المختلفة السابقة عليه و اللاحفة ، لن يمكّن من ذلك باليسر الذي تتطلبه اقتصاديات الوقت و العمليات في الكمبيوتر .

و لقد كانت مهمة ثقيلة تلك التي صرف المصممون و المطورون فيها جهوداً مضنية طويلة للحصول على خطوط مثل الثلث و الديواني و الفارسي و الرقعة و المغريب عن طريق الكمبيوتر . فهي أساليب لا تتسق مع التركيب الخطي الاستطرادي Linear المعتمد في تتالي حروف الطباعة . و النتائج التي حصلنا عليها – بالكمبيوتر – لتلك الأساليب الكلاسيكية متواضعة و تحفل بالتنازلات في تقاليد الكتابة دون أن تصل إلى تصميمات حديثة متوافقة مع الوظائف الجديدة و الذائقة الجديدة و المعارف الحديثة .

أفكار و تجارب و تطبيقات


علينا الآن النظر بحساسية أقل إلى ضرورة مراجعتنا لكثير مما جعلناه ثوابت في الخط العربي و في علاقتنا به . حتى ننقذ خط الطباعة العربي الذي قيدناه بالخط العربي لدهر طويل . و كانت النداءات و الأفكار التي ارتفعت في الثلث الأول من القرن العشرين لتطوير الكتابة العربية و الطباعة ، و التي قادها عدد من مثقفي مصر و مفكريها و على رأسهم مجمع اللغة العربية و رئيسة عبد العزيز باشا فهمي كانت – في وقتها – عملا جلايئاً يستحق الاحترام و البحث . و كان يجب أن نجرب نطبيق تلك التجارب و الأفكار التي طرحت وقتذاك و بعدها تطبيقاً عملياً – و لو بطريقة معملية – ثم تقييمها . لكننا استسهلنا الرفض السلبي لكل المحاولات الجريئة التالية في النصف الثاني من القرن الماضي ( انظر مثلا محاولات المهندس اللبناني نصري خطار في حروف الطباعة العربية المنفصلة بدءاً من عام 1947 ) .

و قد تعرض القاريء ( بل و الأمي ) العربي – و على مدى نصف قرن على الأقل – لخبرات كثيفة بالحروف اللاتينية الحديثة ، و ازدادت معرفته بمنطقها و دلالاتها القرائية ، و بطرق فك رموزها و بإيماءاتها . و قد تضاعفت تلك الخبرات عدة مرات في العشرين عاما الأخيرة مع توسع سوق الاستهلاك السلعي بتغليفات بضائعة الأجنبية ، و توسع مجال الإعلانات عن السلع الأجنبية المستوردة او المصنعة حالياً ، و مع يسر استقبال الإرسال التلفزيوني الأجنبي ، و ازدياد تدفق المعلومات المطبوعة الواردة إلينا من الخارج . و قد ترتب على هذا تسقرار قدر من الألفة مع اللغة الجرافيكية للأحرف اللاتينية ، و الوعي بقيمها الجمالية و بنظامها البصري و بمعمارها ، في بديهة المواطن العربي .

كانت تصميمات الحروف اللاتينية قد مرت بظروف فرضت تطورها و نموها الدائم ، و منها عمليات الملاءمة لضرورات و وظائف و خصائص إنسانية و عملية و تقنية و اقتصادية مستجدة و متغيرة ، و لم يسبق طرحها على حروف الطياعة من قبل . بينما انقطع تطور حروفنا العربية منذ زمن طويل ، و جمدت في مشيختها الهرمة .

كذلك استفادت من ( إنجازات ) الحروف اللاتينية حروف لغات عديدة غير لاتينية ، و أدخلت إلى تصميماتها قيما بصرية و ابتكارات و اكتشافات و حلولاً توصل إليها الحروف اللاتيني عبر طريق تطوره الطويل ( على سبيل المثال : حروف اللغات السلافية الأصل Cyrillic ( الروسية و البلغارية و الصربية ) – اليونانية – اليابانية و الصينية و الكورية – العبرية – بعض اللغات الهندية ) .


نحن أبضا علينا النظر بحساسية أقل إلى ضرورةاستخدامنا لبعض هذه الإنجازات ، و ضرورة استغلالنا لتلك الخبرات الجديدة للفرد العربي بقيم الحروف اللاتينية و جمالياتها و مقروئيتها ، و ذلك عند تصميم حروف عربية جديدة . و لا صلة لهذه الدعوة بالتقليد المتهافت الأعمى – و من موقع أدنى – لأشكال بعض الحروف اللاتينية و لزماتها الشكلية ، و لا بتلك الأشكال المتهافتة من الحروف ( العربية ) الهجينة التي ظهرت أحيانا في بلادنا خلال العقدين الأخيرين . و يجب أن يتلازم هذا التطلع إلى ما وراء الأفق مع بحث هاديء و عميق و تأمل للداخل : للخط العربي الذي يمثل جوهره جزاءاً حميما من تكويننا الثقافي و الوجداني و الروحي .

...

لنرفع أيدينا عن فن الخط اليدوي حين نتحدث عن حرف الطباعة ، إذ سيعيش الأول فنا جميلاً غالياً راقياً له وظائف الفن الطليعية ، و بحضر جليلاً في الأعمال التطبيقية الهامة الاستثنائية الخصوصية ، كما هو الحال في باقي العالم المتحضر ، بما فيه الهند و كوريا و الصين و اليابان و أمريكا اللاتينية . و علينا رعاية هذا الفن مثل كل فنوننا البصرية الأخرى ، و التعامل معه على هذا الأساس .

و ستظل لوحات الخطاط الفرد إيداعاً خالدا يحتل مواقعهة المتنوعة في حياتنا : في المتحف ، و في المعرض ، و في منازلنا ، و أماكن عملنا ، و على أغلفة كتبنا ، و وثائقنا ، و لافتاتنا ، و علاماتنا التجارية ، و على كل ما نحرص على تمييزه من مصنفاتنا .

أما حرف الطباعة فهو شان آخر جديد يحتاج اتكاتف عدد من التخصصات ، و قد أصبح صنعة و علماً ، له أصوله و مناهجه و معاهده لتكوين المبدعين فيه ، و أصبح الخطاط أحد التخصصات العامة في حقل حرف الطباعة ، و ليس المبدع الوحيد .

...

لم يعد من الجائز أن نشرع في تصميم حروف الطباعة بأساليب محددة من الأساليب التي قسم إليها الخط العربي من قبل : نسخ و رقعة و ثلث و ديواني و كوفي و فارسي و خلافها . إذ أن الضرورة في التحديث قد تحتم خلط او تهجين أساليب مختلفة : تهجين النسخ بالثلث و بلاكوفي القديم ، أو مزاوجة الكوفي الهندسي مع بعض حلول الحروف في الفارسي ، و هكذا .

و إذا ما هدف المصمم إلى تصميم عائلات حروف في ضخيات متباينة ، تؤدي كل منها دورها الخاص في مجال محدد من النشر و المطبوعات ( جريدة يومية ، مجلة سياسية ، شهرية أو فصلية ثقافية ، مجلة خفيفة ، مجلة افتصادية .. إلخ ) لن يكون الطريق هو طريق تصميم حروف بأساليب الخط القديمة الرائعة ، التي لم تعد تعبر عن شيء و لا تقول شيئا ، سوى المباهاة بالإجادة و الإحكام و العظمة .

و بمراجعة تصميماتنا الجرافيكية العربية في النشر و في الصحافة و الإعلان ، قد نكتشف أن من أسباب توقف تطور هذا الإنتاج في بلادنا هو تخلف تصميمات حروف الطباعة العربية . بينما نطالع التصميمات المناظرة في اللغات المكتوبة بالحروف اللاتينية ، فنرى اعتماد تلك التصميمات على التنوع الغني في أشكال حروف الطباعة ، بحيث إن الحروف في أغلب الأحيان تلعب دور البطولة في تصميم الإنتاج الطباعي في النشر و الصحافة و الإعلان .

و أصبح على الدول العربية مجتمعة أن تتعاون في تأسيس معهد لتكوين المصممين لهذه المهنة الجديدة ، يخطط عمله على أساس ظروفنا و احتياجاتنا الخاصة . و ربما كان علينا أن نستعين فيها بأساتذة من خارج بلادنا : من الغرب و من دول العالم الثالث التي سبقتنا إلى هذه التجربة ، مثل الهند و كوريا و اليابان و الصين .

إن استمرار الوضع المتخبط الملتبس القائم في بلادنا في هذا الميدان ، لم يعد تأثيره السلبي ينحصر في تشويه الذوق العام ، و في تعرية أحد تجليات تخلفنا ، بل هو تأثير سلبي فعلي قوي و تراكمي على العقل العربي ، و على الذاكرة الجمعية ، و على الحساسية ، و على الوجدان السليم ، و على قدرتنا على الإبداع و التفكير الحر .

Thursday, December 9, 2010

هذا السيد .. هذا الدين


نقاط هامة و مقدمة لا مفر منهما

- اتبع المفكرون الإسلاميون في نقد الحضارة الغربية أساليب عدّة نذكر منها هنا أساليب ثلاثة . الأسلوب الأول يمثله الدكتور عبد الوهاب المسيري متمثلاُ في نقد الحضارة الغربية من داخلها بعيداً عن النصوص الإسلامية أو الرؤية الدينية عموماً حيث إنها لا تقع ضمن نقاط الاتفاق و بالتالي لا يمكن بناء الأساس النقدي عليها اللهم إلا تنويهات بسيطة داخل سياق الحديث . أبدع المسيري فيه باقتدار و أثبت عبقريته حيث إنه أثبت ما ستؤول إليه العلمانية الغربية بمنطق عقلي بحت – مرجعيتهم الأولى و الأخيرة – و بيّن عتمة النهاية و سودادوية الخاتمة بل الأدهى من ذل أنه أثبت تضارب بعض نظرياتهم من داخلها فما أثبته – الفيسلوسف العلماني - في البداية ينكره في النهاية و ما أقره في النهاية كان قد نقضه في البداية ! يظهر ذلك جلياً في كتاباته خاصة ( العلمانية الجزئية و العلمانية الشاملة - النظرية ) . الاتجاه الثاني مثّله على عزّت بيجوفيتش و هو طرح ظواهر كونية أو نفسية تعجز النظريات الغربية عن تفسيرها اعتماداً على المرجعية التي تتبناها تلك النظريات الغربية ، كعجز نظرية داروين في التطوّر عن تفسير الجانب النفسي الروحي للإنسان حيث إنه – الجانب الروحي النفسي - لم يتطوّر من الحيوان بل ( خُلِق ) ابتداء في الإنسان ، يتضح ذلك في أشهر كتبه ( الإسلام بين الشرق و الغرب ) . الأسلوب الثالث هو بيان سذاجة الفلسفة الغربية التي تدعو للضحك و السخرية في أغلب الأحيان و الحزن على ما آلوا إيه ، و عدم الخوض كثيراً فيها حيث أنهم أعملوا عقلهم في غير محل الإعمال ، ثم التعمّق في المنهج الإسلامي و الحديث عنه باستفاضة مع بيان أن كثير من القيم الغربية الحسنة مستمدة من الإسلام حينما مُكّن له في الأرض حيث كانت أورويا و المجتمع الغربي لا يزال يتخبط في تيه الظلمات ، و هو ما أبدع فيه الشهيد سيد قطب .

- هناك علاقة عاطفية تربطني بالشهيد سيد قطب ، ليس تعاطفاً معه لأنه ظُلِم حتى شُنِق - كما يتعاطف معه الكثيرين و إن كانوا ذوي ميول غير إسلامية أساساً - ، و ليس لتلك اللغة الأدبية الرائعة التي يكتب بها - و التي أعجبت الكثيرين و إن كانوا من كارهي فكرته ابتداءا - . إنها علاقة حب لا أجد لها مبرراً غير أني أحبه في الله . أحب صورته .. أحب كلامه .. أقرأ له من آن إلى آن فأشعر بسعادة و وضوح للمسار . سيد قطب ، رغم جسده النحيل إلا أنه يحمل قلبا عجيبأ . يميزه أنه جمع بين الفكر و الأدب فعبّر عن أعقد القضايا كالحاكمية و الجهاد بأسلوب أدبي قوي أكثر من رائع .

- عند القراءة للشهيد سيد قطب ينبغي أن تنتبه لنقطة ، فإذا كنت ممن يحبون أن يستفتح الكاتب كلامه بقوله " هذا رأيي الشخصي و هو ما توصلت إيه حتى الآن و ربما يتبين لي غيره و ربما تجدني أنقض ما قلت إذا تبيّن لي ما هو أحق منه " فسيد قطب ليس من ذلك الصنف .. سيد قطب واضح كالشمس ، حاد كالسيف في معظم قضاياه إن لم جميعها على الإطلاق ، لا تنازل ، لا انهزام ، لا تقهقر . هذا هو المنهج و هذا هو الطريق و هذا هو الدين و هذه هي المعالم . من قَبِله فمرحباً به و من لم يقبله فأنا أخلفه الرأي . ناهيك هن لغته الأدبية القوية الشديدة . فإذا كان المسيري قضى أغلب الوقت في إثبات سوء المادية الغربية و لم يوضح لنا تماماً ما نفعله أو نتبعه فإن سيد قطب فعل العكس تماماً لم يرهق نفسه في نقد الحضارة و الفلسفة الغربية بل تجاوزها سريعاً بعد ذكر سريع للمساويء ثم وصفهما بالسخف و توجه مباشرة للمنهج الإسلامي . سيد قطب يمكنك أن تصفه فتقول " قُضِيَ الأمْر " .

- " الحكم على الشيء فرع عن تصوّره " قاعدة هامة عامة يجب اتباعها عند الحكم على فكرة أو شخص ، بل هي أصعب و أعقد عند الحكم على شخص ، فهي تتطلب الإلمام ليس فقط بمعظم ما كتب بل بتجاربه الشخصية في الحياة سواء اعتناقه لأفكار سابقة تنازل عنها فيما بعد ، أو تجارب قاسية في حياته ( اعتقال – نفي - ... ) ، كما تتطلب نبذة سريعة عن أقوال الناس حوله ( قبول عام – رفض تام – قول أو رفض من جهات بعينها معلومة الاتجاه .... ) . فقبل الحكم على الدكتور مصطفى محمود يجب أن ندرك أنه كنا ملحداً و رأى الانغماس في الملذات حد التمرغ في الوحل . و ينبغي ان ندرك أن سيد قطب عاش في السجن فترات طويلة و رأى ما لم نره . و ينبغي أن ندرك أن المسيري رأة نهاية الحضارة المادية بينما ظل البعض منبهراً بثقافة الاستهلاك و الإعلانات التلفزيونية و البهرج الكاذب . إذا أرهقنا عقولنا في التصوّر سنفسّر الكثير من الظوهار و نستطيع أن نفسّر حرقة و شدة لهجة فلان عند حديثه عن القضية الفلسطينية بعد ان نعلم ( نتصوّر ) أن جميع أسرته ماتت تحت الركام إثر قصف صاروخي إسرائيلي ، بينما نفسّر برود فلان الآخر عند الحديث عن نفس القضية فهو لم ير و لم يسمع و لم يجرّب إذ أنه جالس في المكيّف صباح مساء . و بالطبع كلما زاد تصورك إحاطة زاد حكمك دقة .

-
فركن الإسلام الأول : أن نشهد أن لا إله إلا الله و أن محمداً رسول الله .. و شهادة أن لا إله إلا الله ، معناها القريب : إفراد الله – سبحانه – بالألوهية ، و عدم إشراك أحد من خلقه معه في خاصية واحدة من خصائصها .. و أولى خصائص الألوهية : حق الحاكمية المطلقة ، الذي ينشأ عن حق التشريع للعباد ، و حق وضع المناهج لحياتهم ، و حق وضع القيم التي تقوم عليها هذه الحياة . فشهادة " أن لا إله إلا الله " لا تقوم و لا تتحقق إلا بالاعتراف بأن لله وحده حق وضع المنهج الذي تجري عليه الحياة البشرية ، و إلا بمحاولة تحقيق ذلك المنهج في حياة البشر ، دون سواه .. و كل من ادعى لنفسه حق وضع منهج لحياة جماعة من الناس ، فقد ادعى حق الألوهية عليهم ، بادعائه أكبر خصائص الألوهية ، و كل من أقره منهم على هذا الادعاء فقد اتخذه إلها من دون الله ،بالاعتراف له بأكبر خصائص الألوهية .. و شهادة أن محمدا رسول الله ، معناها القريب : التصديق بأن هذا المنهج الذي بلغه لنا من الله ، هو حقا منهج الله للحياة البشرية ، و هو وحده المنهج الذي نحن ملزمون بتحقيقه في حياتنا و في حياة البشر جميعاً .

تلك الكلمات الموجزات المزلزلات المقتبسات من كتاب " هذا الدين " يمكننا القول بأنها حجر الزاوية لفكر الشهيد سيد قطب .

فكر الشهيد تجده ملخصا متبلورا في كتابه ( معالم في الطريق ) و ربما يكون هو آخر كتابته ، لكني بعد قراءة كتابه ( هذا الدين ) وجدت فيه خلاصة أخرى تستحق الذكر ، الكتاب يقع في مائة صفحة من العيار المتوسط أو ربما أقل . كلمات مزلزلات كالمدفعية الثقيلة تضرب العقول و القلوب .

عرض سريع موجز لأهم أفكار الكتاب

الإسلام منهج للبشر ، فهم المأمورون بالسعي و الاجتهاد لتطبيقه في واقعهم . و الذي يظن أنه طالما أنه منزل من عند الله فلابد و أن يعمل في حياتنا كمفعول السحر ، أو بكبسة زر هو إنسان لم يدرك و لم يفهم طبيعة هذا الدين . فهو منهج للبشر مرتبط بمجهودهم البشري في حدود طاقتهم البشرية ، و حتمية انتصار الدين ليس معناها حتمية انتصار كل من يؤمن بهذا الدين و يعتقد به بين جنباته و لكنها حتمية انتصار للدين و لمن يبذل وسعه لتحقيق هذا الدين في شخصه و مجتمعه بل في الكون كله .. و لا عيب في الهزيمة إن خالفت تلك النفوس بعض الأوامر فهذا لا يعيب المنهج و لا يحكم بنقصانه في شيء بل هو درس يجب أن نتعلّمه كما تعلمه الصحابة يوم أحد حينما خالفوا الأمر فتعلموا أن النصر و الهزيمة مرتبطان بمدى تحققنا و تخلقنا بالمنهج لا بالمنهج نفسه لكنهم لم يتعلموه بالكلام و العتاب بل تعلموه بالدماء و الآلام ، فتلك الدروس لا تُنسى .

ثم يشرع في وصف لماذا نحن ملزمون بتطبيق هذ المنهج الرباني . فيقول بداية نحن ملزمون بتطبيق هذا المنهج حتى نحقق لأنفسنا صفة الإسلام الذي ندّعيه ، وهو ما ذكرناه أعلاه . و نحن ملزمون كذلك بتحقيقه لأنه المنهج الوحيد الذي يحقق للإنسان إنسانيته ، فالبشر كلهم أمام الله سواسية لأنهم يعبدون إلها واحداً أما في مناهج البشر فهم يعبدون بعضهم بعضاً كما قال تعالى " اتخذوا أحبارهم و رهبانهم أرباباً من دون الله و المسبح ابن مريم " لم يسجدوا لهم و لكنهم اتبعوهم في تحريمهم الحلال و تحليلهم الحرام ، فتلك عبادتهم إياهم ، فأنت عبد لله و تلك كامل الحرية أمام البشر ، ففي المناهج البشرية – الرومان مثلاً – نجد العبد و السيد و السخرة و الإذلال ، بل حلبات المصارعة التي ساوت بين البشر و الأسود و من ينتصر منهم فله حق البقاء ! أما الإسلام فأنت لست عبداً إلا لله و لا فضل لأحد عليك إلا بالتقوى و العجيب أن تلك التقوى لا يستطيع البشر قياسها و بالتالي فأنت لا تعلم من خير ممن ؟ فليس لبشر على بشر فضل إلا أمام الله " و لقد كرّمنا بني آدم " .. كل بني آدم ! و نحن ملزمون بتطبيق هذا الدين لأن واضعه يدرك الغاية الكبرى من الكون على عكس البشر فهم محدودوا التجربة حتى و إن اجتمعت الأجيال سيظل الجهل حليفهم ،و العقل البشري قاصر عن إدراك الحكمة النهائية " و ما أوتيتم من العلم إلا قليلاً " . و نحن ملزمون بتطبيق هذا المنهج لأنه المنهج الوحيد الخالي من الأهواء و الأغراض و المطامع الشخصية ، فالله - سبحانه و تعالى - لن يحابي بشراً على بشر أما المناهج البشرية فقلما ما تخلو من المطامع و الأهواء الشخصية لأن البشر ضعاف النفوس فضلاً عن أن بعضهم نفوسهم خبيثة فيستخدمون سلطتهم التشريعية لخدمة شخصه أو أسرته أو قبيلته أو جنسه أو ... إلخ " إن الله لا يظلم مثقال ذرة " . و نحن ملزمون بتطبيق هذا المنهج لأن واضعه هو واضع نواميس الكون و بالتالي تجد انسياقاً روحياً بينك و بين الكون من حولك على عكس المناهج الوضعية التي أشقت البشرية بعد أن خالفت سنن الكون فانسحقت النفوس و تمزقت ، و رأينا الأمراض النفسية و القلق و الاضطراب يهتك بنفوس المجتمعات الغربية مع قمة التقدم التكنولوجي المادي و مستوبات الدخل الخرافية لأن سنن الله غلابة ، و الدكتور عبد الوهاب المسيري هو خير من يظهر جوانب الضعف بل و الدمار المتمثلة في المناهج الغربية من علمانية و غيرها و لكنه حين يقعل ذلك يفعله من منطلق ليس إسلامي بحت بل من منطلق الإنسان كمخلوق مُكرّم من قبل الخالق . لذلك كله نحن ملزمون بتطبيق هذا المنهج .

و الإسلام اليوم أمامه فرصة عظيمة للسيادة بعد أن عجزت المناهج الغربية و باتت تتخبّط يمنة و يسرة تبدي صموداً كاذباً . فالإسلام يعضده رصيد الفطرة .. رصيده في نفوس البشر جميعاً – مسلمهم و كافرهم – فالضمير لا يموت .. قد يخبو و لكنه لا يموت و تلك من رحمة الله . و كما يعضده رصيد الفطرة يعضده كذلك أثره الذي تركه في نفوس البشر – مسلمهم و كافرهم – يوم أن ساد و حقق حضارة لم تتكرر . كذلك تعضده تلك الإشراقة اللامعة يوم أن ساد فكان المسلمون هم النواة الأولى للعلوم التي اعتبرتها الكنيسة في الماضي إلحاداً و هرطقة و تم القتل و التعذيب و ظهر المستنيرين الذين كرسوا علمهم للانتقام من الكنيسة . و كما يعضده رصيد الفطرة و رصيد التجربة يعضده كذلك رصيد القيمي الذي أرساه في المجتمع يوم أن ساد بعد أن كانت مستنكرة في الجاهلية كحقوق الإنسان ( موقف ابن القبطي مع ابن عمرو بن العاص ) . و من القيم الإنسانية واحدة فبعد عصبيات القبيلة و العشيرة و البيت جاء الإسلام ليجمع القبائل و الشعوب متعارفين لا متناحرين " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر و أنثى و جعلناكم شعوباً و قبائل لتعارفوا " . و من القيم اجتماع البشر على رابطة العقيدة بعد أن كانوا يتجمعوا على رايطة الجنس و العرف و اللون و اللغة . فجمعهم على أسمى ما في الإنسان .. ما يعتقده و يؤمن به .

إن الإسلام اليوم أمامه فرصة عظيمة ربما تفوق فرصته يوم الجاهلية الأولى يعضده رصيد الفطرة و رصيد التجربة و رصيد القيم التي أقرها و ظلت مستمرة بعد أن تزحزح الإسلام – أو تمت زحزحته - عن الصدارة و حلت محله المادية الغربية المهلكة .

و لكن حتى لا يغتر المسلمون ، فإن كانت الجاهلية التي لاقاها الإسلام يوم أن نزل على محمد جاهلية هوى و عصبيات قبلية و سذاجة و جهل و فتوة، فإن الجاهلية التي يلقاها اليوم هي جاهلية علم و جدال و مراء و تعقيد و استهتار . و لكن رجاؤنا أن الفطرة التي أشقاها الضرب في التيه قد بدأ يبدو عليها التعب و الحنين إلى الله من جديد .

" و كان حقاً علينا نصر المؤمنين " .. قضي الأمر

Wednesday, November 10, 2010

اليوم الثلاثون : العشاء الأخير

كان فضل الله عليّ عظيما فكانت عطلة نهاية العام الدراسي المنصرم أفضل عطلة مررت بها حتى الآن . الأسباب كثيرة لكن أهمها هو تحقيق عدد جيد جداً من الأهداف التي وضعتها لنفسي ، إلى جانب التعرف على بعض الأصدقاء الذين اقتربوا من قلبي كثيرا على الرغم من قصر مدة التعارف بل قصر التلاقي و لكنها الأقدار يا عزيزي تفاجئنا دائما ، و لكني غالبا ما أكون سعيدا بمفاجآتها التي تكون مفجعة في أحيان كثيرة . أحد أهم أسباب اعتبار الأجازة كذلك هو شهر رمضان . رمضان الماضي كان شيئا مختلفا تماما في حياتي أعتبره حتى الآن مرحلة انتقالية رائعة و الحمد لله . كذلك أحد الأسباب هو الخطوة الفعلية التي خطوتها في مجال هوايتي و عملي المستقبلي ( التصميم الجرافيكي ) إن شاء الله .

إذن السبب الأساسي هو الإنجاز ، الإنجاز من أجمل المشاعر الإيجابية التي يمكن أن تشعر بها وسط حياة كئيبة كالتي تلقي بهمومها علينا كل يوم . يعطيك دفعة فلقد أثبت لتوّك أنك تستطيع . فلقد فعلتها !

ركاز أحد المؤسسات المهتمة بتعزيز الأخلاق يشرف عليها الرائع الدكتور محمد العوضي الذي أتحفنا في رمضان الماضي ببرنامجه الفكري الراقي ( بيني و بينكم ) على قناة الرسالة . كان أحد حملاتهم حملة بعنوان ( فاز .. من حياته إنجاز ) طبعا فاز ! من أهم ما يميزهم هو تفوقهم في المجالين الفني و الإعلامي ، و تلكم صفحة لحملاتهم حتى الآن ، علي يقين بأنكم ستستمتعون بها كثيراً .

الإنسان البطيء لا ينجز ، يتقدم الآخرون و هو قابع في القاع . يطير الناس بأحلامهم و حركتهم نحو الثريّا بينما يقبع هو وسط الثرى يحرك فيه أصابعه زاعما التفكير و التحليل و التقدير ، يقضي وقته كله في التفكير و طريقة حل المشاكل و لا يأخذ خطوة جريئة أبداً . ليته يعلم أنه بذلك سيظل مكانه فهو كباسطٍ كفّيه إلى الماء ليبلغ فاه و ما هو ببالغه . ليت ذلك الأحمق يعلم ! احرص على أن تنجر ، احرص على أن تجرّب ، فلن تخسر شيئاً إن آمنت أن كل تجارب الحياة مفيدة أيا كانت نتيجة التجربة .

أكتب الآن بعد أن أتممت و الحمد لله مشروع 30 يوما من التدوين ، صحيح أني لم أستطع ان أفعلها في ثلاثين يوم بالتمام و لكني أتممت المشروع و استفدت منه و حققت الهدف . أشكر كل من شجعني عند طرح الفكرة ، و كل من تابع ، و كل من شارك معي ، و كل من وعدني بالمشاركة و لكنه انشغل فلم أنل سعادة مشاركته .

-

أعكف الآن على مشروع جديد في مجال التصميم و هو تصميم و برمجة خط عربي . الموضوع معقد بعض الشيء . الخط سيكون على الطراز الكوفي المربع و هو أقدم الخطوط العربية . الخط موجّه بالأساس لكتابة العناوين الرئيسية و الجانبية ، فهو ليس خطا طباعيا بمعنى أن يستخدم في كتابة النصوص الطوال و هو أمر طبيعي بالنسبة للخط الكوفي .

اخترت الكوفي المربع لسهولة رسم حروفه فهو عبارة عن مربعات مصمتة متراصة لجوار بعضها ، ثم لأنه ليس له قواعد ثابتة سوى الحفاظ على اتزان و تجانس النص المكتوب أو المطبوع و هو ما سيسبب لي مشكلة لأن الخط الكوفي غالبا يتم تصميمه تبعاً للجملة التي يكتب فيها لتحقيق التوازن الخاص بها ، فشكل الحرف الواحد قد يتغير و تضاف له إضافات لتحقيق التوازن ، و لكنها تجربتي الأولى فكان لابد من خط سهل لا يحتاج لرسم كثير بل يكون العمل الأكبر هو برمجة الخط و ليس رسم الحرف .

انتهيت تقريباً من رسم جميع الأرقام و العلامات الخاصة و الحروف في حالاتها الأربعة الخاصة باللغة العربية ( مفردة ، بداية ، وسط ، نهاية ) و أقوم الآن بالبحث و القراءة في موضوع البرمجة و تلكم بعض الصور لبعض الحروف و استخدامها كتجربة في بعض الجمل .
-

أحدث تصميم في سلسلة ( زمن الكوسة .. في أرض المحروسة ) .


-

سأعود للتدوين إن شاء الله بمعدل طبيعي ( موضوع كل أسبوع أو أسبوعين تقريبأً ) و سأجتهد أن أكتب عن الرؤية الفنية للمشاريع فهو مجال عملي كما أني أستمتع به كثيراً .

أشكركم على المتابعة لمدة ثلاثين يوماً
أستودع الله دينكم و أماناتكم و خواتيم أعمالكم
تمّ

أنس علاء
( 28 سبتمبر - 10 نوفمبر ) 2010

Sunday, November 7, 2010

اليوم التاسع و العشرون : تسلم و يسلم صوتك


تسلم ويسلم صوتك
وتسلم كلمة حق فى قلبك
قلتها ومخليتهاش جنبك
تحت هدومك .. تحت فانلّة .. تحت الجلد . جوه فى قلبك

يسلم واحد قال الحق
وقال عمرى ما هسكت ولا هنذل
ولا أشوف أهلى بتنذل
و عمر ما ميزان العدل ف قلبى هيختل

اسمعوا يا ولاد الكلب يا حراميه
ياللى بعتوا بلادنا
و ضحكتو علينا بأغنيّه
ومخلتوش لينا حاجة غير الطعمية
فاكرين الناس هفيه
والظلم عندكو ده تمن الهدية
انسو و فوقو ، دى بلدنا بلد اسلاميه
و دينا دين راسه عليّه
و اعرفو إن فىه رب و فيه حساب
و إن بعد الظلم عذاب
وكل حاجه مكتوبة فى كتاب
يوم القيامة وفى الحساب
و اعرفوا إن للمولى عباد
بتعمل لجلالته مش للعباد
واللى معاه المولى ما يخاف غير المولى
وتتفتح على إيده بلاد
و يا فرد يا مؤمن يا مآمن بجنه ونار
متسكتش عن الظلم وخاف من الجبار
ومتخفش من نار الدنيا ديه مش نار

شعر : خالد شاهين

تنويه : انا غير مسئول عن أي ألفاظ خارجة في القصيدة

Thursday, November 4, 2010

اليوم الثامن و العشرون : أَسْلَمْتُ


كلمة الإسلام كلمة بسيطة ، لكننا في العصر الحديث و مع كمية المصطلحات و الدلالات التي نسمعها كل يوم أصبحنا نحتاج يوماً بعد يوم لأن نفهم الإسلام مرة أخرى و نسمع و نقرأ ما قاله المججدون عن الإسلام ، فالتجديد الإسلامي له أهمية بالغة تكمن في كون الإسلام دين صالح لكل زمان و مكان ، و بالتالي أصبحنا نبحث في أقطارالأرض عن العالم الذي نستقي من فيه كلمة عن الإسلام ، لندرك حقيقة بل عظمة هذا الدين الذي ظلمناه كثيراً .

إن المتأمل للنصرانية و اليهودية يدرك شيئا من تلك العظمة . اليهودية كانت تمثل الجانب الدنيوي من مسيرة الحياة ( لا أقصد بالحياة هنا الحياةالدنيا ، بل أقصدك مسيرة الحياة بداية من الخلق و انتهاء بالخلود في الجنة أو النار ) فهبطت بصورة الإله لدرجة قد تصل بالإله لصورة مشينة تجعل البشري يصارعه بل و ينتصر عليه في أحيان أخرى تأثرا ببعض الرؤى الرومانية كما ذكر يوسف زيدان في كتابه اللاهوت العربي ، فكانت اليهودية تدعو إلى ممكلة ( الآن ، هنا ) دعوة سريعة للمجد و الانتصار ( الآن ) متغافلة أو متنساية الآخرة ، بل هي في الدنيا ( هنا ) و بذلك كانت أحد القطبين . جاءت النصرانية المحرفة لتمثل القطب الآخر تماماً ، فجاءت دين الحب و السلام ، دين الخلاص الداخلي ، لا تهتم بأمور الدنيا بل وجدنا فيها الرهبة و العزلة و الانقطاع لخدمة الرب و العبادة ، و الزهد بعيداً عن ترف الدنيا أو حتى المستوى المعقول منها ، تعارض العلم بل تقتل العلماء أحيانا بتهمة الهرطقة و مخالفة النصوص الدينية . يقول المسيح " مملكتي ليست من هذا العالم " في دعوة منه للنظر للآخرة و نكران الدنيا .

تلكم النظرة السريعة على اليهودية و النصرانية ندرك معنى الإسلام كدين وسطي ( بين النظرة المادية للحباة و النظرة الروحية الخالصة ) . و نتيجة لذلك اتهمه المؤمنون باليهودية بأنه دين ميتافيزيقي يدعو لجنة الخلد متجاهلاً مملكة الدنيا التي يسعون لها . و اتهمه المؤمنون بالنصرانية بأنه دين ترك مهمته الأساسية من حقيقته الصوفيه و تطهير الأرواح و النفوس و نشر المحبة و السلام و أصبح دينا لصيقا بالدنيا ، مختلطا بالمجتمع . و الإسلام من كل هذا براء . فهو ينتظم شئون الحياة جميعها بهدف أسمى و هو الخلود في الجنان . و تلك علامة صحة فالمعتدل دائما ما تنهال عليه الاتهامات من الطرفين المقصر و المغالي كليهما .

لقد خلق الله الإنسان لهدفين رئيسين نستطيع أن نجملهما في قوله تعالى " و ما خلقت الجن و الإنس إلا ليعبدون " العبادة بمعناها الواسع ، ليس الشعائر فقط كما يحصرها البعض ، بل كل عمل يفعله الإنسان ينوي به تحصيل رضا الله و ثوابه ، شعيرة كان أو عادة أو عمل أو تحصيل علم أو ... أو ... أو ... . أما الهدف الثاني من قوله تعالى " إني جاعل في الأرض خليفة " أنت خليفة ! كلنا خليفة ! إن دور الخليفة بالطبع لا ينحصر في دور العبادة ، لا ينحصر في الخنادف و الجحور التي نحصر نفسنا فيها . دور الخليفة هو إعمار الأرض . و حينما فهم المسلمون الأوائل ذلك تقدموا في شتى العلوم و اخترعوا اختراعات عجيبة يجهلها كثير من المسلمين ( راجع البرنامج الرائع "خواطر 6" لـ "أحمد الشقيري" و الذي كان يعرض في رمضان على شاشة قناة الرسالة ) .

من تلكم الآيتين نفهم دور المسلم في الحياة . فهو عبد و خليفة بكل ما تعنيهما الكلمتين من معنى . نجد كثير من الأحاديث و الآيات و المواقف توضح تلك الحقيقة ، " إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ " [فاطر] ، " و ابتغِ فيما آتاك اللهُ الدارَ الآخرةَ و لا تنْسَ نَصيبكَ من الدنيا " [القصص] ، " فإذا قُضِيَت الصلاة فانتشروا في الأرض و ابتغوا من فضل الله و اذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون " [الجمعة]، " هو الذي جعل لكم الأرض ذَلولاً فامشوا في مناكبها و كُلُوا من رزقه و إليه النشور " [الملك] ، " أنتم أعلم بأمور دنياكم " ، " من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع " ، " المؤمن الذي يخالط الناس و يصبر على أذاهم خير من الذي لا يخالط الناس و لا يصبر على أذاهم " ، " أما أنا فأصوم وأفطر وأقوم وأنام وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتى فليس مني " ، " نعم المال الصالح للعبد الصالح " .

الإسلام دين رباني ، وسطي ، واقعي ، شامل ، صالح لكل زمان و مكان ، ينتظم شئون الحياة جميعاً . يا له من دين لو أن له رجال . و لا حول ولا قوة إلا بالله .

-

المراجع للاستزادة :

1. الإسلام بين الشرق و الغرب - علي عزت بيجوفيتش
2. اللاهوت العربي - يوسف زيدان
3. خصائص التصور الإسلامي و مقوماته - سيد قطب
4. مدخل لمعرفة الإسلام - يوسف القرضاوي
5. الإسلام .. ما هو ؟ - مصطفى محمود