Tuesday, October 12, 2010

اليوم الرابع عشر : الأفكار و الأشخاص


بدايةً الفكرة في هذا المقال معقدة بعض الشيء ، فأرجو أن تسامحوني إن فارقني الترتيب أو
الاطمئنان في الكتابة . المقال يحتوي على فكرتين رئيسيتين :
1. الأفكار أم الأشخاص ؟
2. ضريبة اعتناق فكرة .

قرأت اليوم في جريدة الشروق مقال معتز بالله عبد الفتاح أثار في نفسي الموضوع

أرى علاقة حميمة بين عالم الأفكار و عالم الأشخاص - كما يسميهم مالك بن نبي - ، أو ببساطة بين الفكرة و حاملها ، ننظر للفكرة أم للشخص بصفته حاملا و مجسدا لها في نموذج بشري ؟ نغمض أعيننا و نسمع القول ، أم نصم آذاننا و ننظر للقائل و سلوكه ؟ اختلفت الآراء و احتمد السجال في هذه القضية . فمنهم من قال إن الأفكار تظل حبراً على ورق ، و خواطر في العقول حتى تتحول إلى حركة بشرية فحينها ننظر لذلك البشري في حركته لنرى صلاحية تطبيق الفكرة المثالية في أرض الواقع في مثال بشري يخطيء و يصيب لا سيما إذا كان ذلك البشري ليس واحداً بل مجموعة كبيرة من الناس - كالمسلمين كلهم على سبيل المثال - . و منهم من قال لا ننظر للأشخاص بتاتاً لأنهم ببساطة بشر لهم شهواتهم الحسية و زلاتهم الدنيوية كما لهم خواطرهم الملائكية و آراؤهم الروحية تماماً التي يتشدقون بها علينا .

الأمر معقد بعض الشيء ، فللأسف قلة قليلة من الناس من تنظر للأفكار و المباديء مجردة دون أن تنظر لمعتنقيها ، أو دون أن تكون في عقلها سابق تجربة مع حملة المباديء تساهم بشكل كبير في تكوين فكرة عن المبدأ كثر منها عن حامله ، و تكون الطامة الكبرى إذا كان حامل المبدأ لا يدرك أن عليه ضريبة كضريبة المبيعات تماما - سنشير لها في آخر المقال - ، فتكون عوناً للشخص العادي على رفض الفكرة بالكلية ، و منهم من قال لا حرج في أخذ الفكرة من أشخاص فقد قال تعالى : " فاسألوا أهل اذ1كر إن كنتم لا تعلمون " ففي النهاية أهل الذكر لهم مرتبة معينة ، تدركها حينما تنظر و تتعمق في حياة أهل الفقه ، خصوصاً إذا كان أمرا اجتهاديا و خلت المسألة من نص قاطع الدلالة قاطع الثبوت ، فيكون كل حرف خرج من فم الفقيه له وزن و مقدار . و يؤكدوا قولهم بألا تقرأ في كتب الأفكار المنحرفة - من وجهة نظرهم طبعاً - لأن عقلك قد يتشكك و يلتبس الحق بالباطل . فعليك بعالم ( تثق فيه ) و ضع إن شئت خطوطا كثيرة تحت ( تثق فيه ) حيث إنها دلت في النهاية على ان للفرد نوع من القدسية ، إن لم تكن أغلب الأهمية قبل حتى سماع رأيه ، معضداً قوله بأن عامة الناس لا تملك القدرة على الحكم على القول بعيداً عن قائله . تجد أيضاً من يقول أن هذا رأي فلان ، فتخشع الأصوات فلا تسمع حتى همساً انتظاراً لقول فلان - لأن فلان رجل ثقة - فتتخلل القلوب العظمة و السكينة قبل حتى سماع الرأي الذي غالباً لن تعمل عقلها فيه لأنه و بعد سماع كلمة - فلان - انشرح الصدر بأن القادم هو القول البتة ، أو هو القول الفصل ، اليقين المطلق الذي لا شك بعده . يؤيد كلامه كذلك بأن فلانا أعمل عقله فصار شيعياً بعد سفره الأخير لإيران ، بعد أن كان سنيا لا لشيء إلا أنه أصغى لقول ذلك الرافضي . فهو لا يستطيع أن يزن بعقله تلك الأمور ، فيجب ترك الأمر من البداية و الانغلاق على ذلك الرجل ( الثقة ) فيكفيك من خرج من فيه . إنه الحق يا فتى القوم !

الأمر الخطير أن العقل حينها - حين إعطاء قدسية للفرد أكثر مما ينبغي - فإنها ترفض النقد لأفكار ذلك الشخص و ترفض التشكيك في كلامه . فتجده يستنكر عليك كيف تتكلم عن - فلان - و فلان هذا بشر لي سبمعصوم و لكن الحقيقة أنه عامل نفسي ، فهو يخشى هدم فكرة واحدة من أفكار الشخصية المقدسة ، فيتيقن حينها أنه من الممكن هدم فكرة أخرى ، و هكذا فربما يتبين في النهاية خطأ المنهج ككل . تخيّل ؟ أكاد أجزم بان هذه مشكلة كثير من الاتجاهات الدينية بالذات ، لأن القدسية أمر حياة أو موت ، جنة أو نار . لا حول و لا قوة إلا بالله .

البعض الآخر قال " ربنا عرفوه بالعقل " فلك كامل الحرية في الاطلاع و القراءة و سماع هذا و ذاك ، فالله أعطاك عقلا و سيحاسبك على اختيارك ، إن الله - سبحانه - يعلم أنك تستطيع أن تصل للحقيقة بهذا العقل ، فهو سبحانه لن يحاسبنا على شيء يعلم أننا لا نستطيع أن نفعله لأنه سبحانه " لا يظلم مثقال ذرة و إن تك حسنة يضاعفها و يؤت من لدنه أجرا عظيماً " ، العقل له قدسية لا شك فهو ما يميز الإنسان عن الحيوان ، لذلك قالوا لا تكن حيوانا و أطلع لإنسانيتك العنان . و لن تضل طالما كنت متجردا و منصفا فلابد و أن يحصحص أمامك الحق حصحصة ما بعدها حصحصة ! اقرأ لمن تريد في الوقت الذي تريد و عقلك يستطيع الحكم و لا بأس من الاستعانة بممن تثق في رأيهم و لكن بدون أدنى قدسية .

البعض أيضا قال انظر لما تشاء و لكن بعد أن تكوّن قاعدة ثقافية إسلامية فتصبح جبلا راسيا لا تهزك الرياح الخبيثة ، و لكن تظهر المشكلة الأخرى ، من يحدد حد تلك القاعدة فيقول لك : اذهب و ابحث فلن تضارّ ؟

للأسف لست متعمقاً بما يكفي في المذهب الشيعي و لكني أعتقد أن تلك النقطة - قدسية الأفكار تبعاً لقدسية الأشخاص - تتبدى أكثر ما تتبدى في مذهبهمالي يؤمن بما يسمى ولاية الفقيه .

-

إذا جازفنا و قلنا أن للفكرة و للأشخاص شيء من القداسة ، فلابد و أن نعلم أن لكل شيء في الحياة ضريبة ، فالالتزام بمنهج معين أو دين معين يفرض عليك ضريبة ربما لا يشعر بها بعضنا ، ضريبة تجاه الفكرة قبل ضريبة التزامك بالفكرة ، إن المسلم الذي يعيش في لندن عليه ضريبة بالغة ، فهو ممثل الإسلام - مع أنه شخص بشري يخطأ و يصيب - إلا أنه بالنسبة لهم ممثل الإسلام ، إسلام يمشي على الأرض ، إذا أدرك ذلك ستختلف أفعاله كلياً - ليس اصطناعاً و لا تظاهراً - بل لأنه أدرك حجم المسئولية على عاتقه . نفهم أكثر إذا سمعنا - أقصد تدبرنا - قوله تعالى : " يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين " لماذا يضاعف لها العذاب ضعفين ؟ لأنهن " لستن كأحد من النساء " . حينها سنفهم قول الرسول - صلى الله عليه و سلم - : "إن منكم لمنفّرين " .

No comments:

Post a Comment